الذهبي
511
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
وكان يقوم إلى محرابه كأنه رجل مخاطب . وعن محمد بن عبد اللَّه الخزاعي قال : صلّى عبد الواحد بن زيد الغداة بوضوء العتمة أربعين سنة . وقال ابن الأعرابي في ( طبقات النّسّاك ) : كان الغالب على عبد الواحد العبادة والكلام في معاني الزهد ، فارق عمرو بن عبيد لاعتزاله وصحّح الاكتساب ، وقد نسب إلى القدر ولكن ما كان الغالب عليه الكلام فيه . وتبعه خلق من النسّاك فنصب نفسه للكلام في مذاهبهم ونأى عن المعتزلة وعن أصحاب الحديث . قال : وقد كان مالك بن دينار وثابت يقصّان أيضا إلا أنهما كانا من أهل السنّة . صحب عبد الواحد خلق كحيان الجريريّ ورباح القيسي ، وأما مقسم وعطاء السلمي فغلب عليهما الخوف حتى خيف على عقليهما واعتزلا الناس فكان عبد الواحد أشد افتتانا وأدخل في معاني الخصوص والمحبة . وكان قد بقي عليه من رؤية [ ( 1 ) ] الاكتساب شيء كما بقي عليه من أصول القدر ، وذلك أن أهل القدر عندهم أنه لا ينجو إلا بالعمل ومذهب السنة هو الاجتهاد في العمل وأنه ليس هو الّذي به ينجون دون رحمة اللَّه ، قال عليه السلام : ( لن ينجي أحدكم عمله - الحديث ) . قال : وكان عبد الواحد قد ساح وسافر إلى الشام ورأى ثابتا فتناقص عنه بعض القدر وزعم أنه لا يقول إن اللَّه يضلّ العباد تنزيها له [ ( 2 ) ] ، وخفي عليه من قول القدرية أنهم يدبّرون أنفسهم ويزكّونها بأعمالهم لما كان يشاهد في معاملته للَّه ضرورة من موازين الأعمال وزيادة النفس والمواهب في القلوب [ ( 3 ) ] ،
--> [ ( 1 ) ] محرفة في الأصل ، وفي سير أعلام النبلاء ( رؤية ) وتحريف الأصل يحتملها . [ ( 2 ) ] في الأصل ( يضل تنزيها ) . والزيادة من ( سير أعلام النبلاء ) . [ ( 3 ) ] كذا في الأصل .